محمد جواد مغنية
156
في ظلال نهج البلاغة
( بلَّغ عن اللَّه معذرا ) . أقام النبي ( ص ) الحجة للَّه على خلقه بما بلغ وأرشد ، وما ترك عذرا لمقصر ومهمل ( ونصح لأمته منذرا ) من خالف بعذاب أليم ( ودعا إلى الجنة مبشرا ) بها من سمع وأطاع ( وخوف من النار محذرا ) بقوله : اللَّه في أهل بيتي ، أذكركم اللَّه في أهل بيتي ، كما في صحيح مسلم ( نحن شجرة النبوة ) ودليلنا سمت الهدى ، ولباس التقوى ( ومحط الرسالة ) بسيد المرسلين ، وخاتم النبيين ( ومختلف الملائكة ) محل نزولهم بالوحي ( ومعادن العلم ) عن النبي عن جبريل عن اللَّه ( وينابيع الحكم ) وهذا نهج البلاغة قطرة من تلك الينابيع ( ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ) من اللَّه بشهادة الرسول الأعظم ( ص ) : « يا علي لا يبغضك مؤمن » فكيف إذا أحبك وناصرك ( وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة ) من اللَّه . . أيضا بشهادة النبي ( ص ) : « لا يحبك منافق » فكيف إذا عاداك وأبغضك وقال الإمام : « لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بحمتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني » . والسر أن عداوة الباطل للحق ذاتية ، وما بالذات لا يتغير إلا إذا كان التغير ذاتا للشيء وطبيعة ، ولا ينطبق على هذا ما ليس بمادة وطبيعة . اللَّه المؤلف ، وعلي المخرج : والخلاصة ان هذه الخطبة أشبه بمسرحية ترسم حياة الانسان وما يلاقيه في دنياه من حيرة ومتاعب ، ويحل به وبأهله عند حضور الموت وبعده ، ترسم هذه الخطبة الانسان وتصوره في جميع مراحله رسما رائعا من كل وجه حتى كأن الإمام هو ذلك الإنسان الذي ذاق سكرات الموت ، وحمل على الأعواد ، وتوسّد في القبر ، وخرج منه للحساب ، ورأى من الجنة والنار ما رأى ، ثم عاد إلى الدنيا ليخبر أهلها بما حدث معه بالذات . . شعرت بهذا وأنا أشرح كلمات الخطبة ، وتصورتها مسرحية تغزو المجهول ، وتجسده للعيان في حقائقه ، ووقائعه ، وقلت في نفسي : لا عجب فالمؤلف خالق الانسان ، والمخرج أكمل افراده بعد سيّد الكونين . كتبت هذه الكلمات في ربيع سنة 1972 ، وأنا على حافة جدول في بلدة « شتورا » وفي غابة من الحور يحيط بي نبات الربيع من كل جانب ، منه الطويل ، ومنه القصير والمتوسط ، ولبعضه أزاهير تجذب إليها النحل والفراشات ، والعصافير